معالم الإيمان المستنير

معالم الإيمان المستنير

المعلم الأول:  لفت النظر إلى مكونات الكون

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد: أخرج القرطبي في تفسيره عن حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله يقول: “إن مما حفظ من خطب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “يا أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم, وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم, ألا إن المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه, و بين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه, فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه, ومن دنياه لآخرته, وفي الشبيبة قبل الكبر, وفي الحياة قبل الممات, فو الذي نفس محمد بيده, ما بعد الدنيا من مستعتب, وما بعدها من دار إلا الجنة أو النار”. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيها المؤمنون:

سنكون معكم على مدار حلقات عدة, بقدر ما يفتح الله به علينا في هذا الكتاب المسمى”معالم الإيمان المستنير” نتأمل وإياكم معالم ديننا الحنيف, دين الإسلام العظيم؛ لننتهي إليها كما أمر  نبينا صلى الله عليه وسلم بوحي من الله جل في علاه, ومع المعلم الأول نتناول فيه موضوع: “لفت النظر إلى مكونات الكون” نقول وبالله التوفيق:

أيها المؤمنون:

لا يمكن للإنسان أن يؤمن بشيء إيمانا صحيحا على نحو القطع واليقين إلا إذا علمه وصدقه تصديقا جازما وأقام عليه الدليل. لذا لفت الله تعالى عقل الإنسان للنظر في الكون والإنسان والحياة في كثير من الآيات في القرآن الكريم؛ لأن أكثر شيء يثق به الإنسان هو عقله، ومن خلال العقل يحكم على الأشياء التي يقع عليها حسه فيصدق بها ويطمئن لها قلبه.  وهذه الأشياء التي تقع تحت حسه موجودة قطعا؛ لأن حكم الحواس كالسمع والبصر على وجود الشيء المحسوس قطعي لا يقبل الشك والارتياب. وبالعقل يتميز الإنسان عن الحيوان، و به جعله الله تعالى مكلفا، أي مطالبا بالإيمان والعمل بشرع الله، حين أمره ونهاه.

 أيها المؤمنون:

خاطب الله الإنسان في كثير من الآيات؛ لأنه يعقل، قال تعالى:( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولـكن تعمى القلوب التي في الصدور). (الحج 46) أي: يعقلون ما يجب أن يعقل من التوحيد. ومن لم يستعمله فقد شبهه الله بالدواب التي لا عقل لها، قال تعالى: ( إن شر الدواب عند اللـه الصم البكم الذين لا يعقلون). (الأنفال 22)

والأشياء التي يقع عليها حس الإنسان هي التي يعقلها ويدركها. وما لا يقع عليها حسه لا يعقلها ولا يدركها. فهو يدرك الكون وما يوجد فيه من مجرات ونجوم وكواكب وشهب ونيازك، والشمس والقمر.

 وما يوجد في الأرض من أنهار وبحار وجبال، وسحب ورياح وأمطار، وحيوانات وحشرات، وأشجار ونباتات وأزهار، وليل ونهار. وزلازل وبراكين وأعاصير وفيضانات وبرق ورعد. وكلها آثار محسوسة دالة على وجود موجد لها.

أيها المؤمنون:

يدرك الإنسان أن كل هذه الأشياء لم تأت صدفة بل جاءت بتنظيم دقيق، وترتيب عجيب، وتقدير بديع، وجمال يأخذ بالألباب. وهذه الآثار أي الآيات الكونية تدل على قدرة عظمى وباهرة. وأن هذا الإحكام في البناء والتدبير، له خالق عظيم وإله جليل؛ لأنه لا يعقل أن يوجد شي دون موجد. وفي هذا الشأن يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

تلك الطبيعة قف بنا يا ساري                    حتى أريك بديع صنع الباري

الأرض حولك والسماء اهتزتا                     لروائـــع الآيـات والآثار

من كل ناطقة الجلال كأنها                     أم الكتاب على لسان القاري

دلت على ملك الملوك فلم تدع                     لأدلة الفقهاء والأحبار

من شك فيه فنظرة في صنعه                     تمحو أثيم الشك والإنكار

وهذه أنشودة للشاعر يوسف العظم رحمه الله. ينبغي أن نعلمها لأطفالنا الصغار. دعونا نتساءل معه ثم نجيب الإجابة التي يجيبها كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد, والأنشودة بعنوان:”الله الخالق”

من أنزل الأمطار, وفجر الأنهار؟          وأنبت الأزهار, تزخرف الجبال؟

ذاك العظيم في علاه, من أبدع الكون سواه؟

من زين السـماء, وجمل الفضاء؟           وأرسل الضياء؛ ليرسم الظلال؟

ذاك العظيم في علاه, من أبدع الكون سواه؟

من علم العصفور في الجو أن يطير؟          ومن جلا الغدير, ودفق الشلال؟

ذاك العظيم في علاه, من أبدع الكون سواه؟

من أنطق اللسان, وأسمع الآذان؟           وعلم الانسان, وأبدع الجمال؟

ذاك العظيم في علاه, من أبدع الكون سواه؟

من ينشر الصباح, ويرسل الريـاح؟            ويملأ البطاح, من رزقه الحلال؟

ذاك العظيم في علاه من أبدع الكون سواه؟

والعقيدة الإسلامية عقيدة عقلية؛ لأننا توصلنا إليها عن طريق العقل. والذي يحدد نوع الدليل هو موضوع العقيدة نفسه فإن كان الموضوع واقعا تحت الحس البشري، ويستطيع العقل أن يدرك واقعه أو يدرك آثاره الدالة عليه كان الدليل عليه عقليا، كالإيمان بالله والقرآن ونبوة ورسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والقضاء والقدر. وإن لم يكن موضوع العقيدة واقعا تحت الحس البشري، ولا يستطيع العقل أن يدرك واقعه أو يدرك آثاره الدالة عليه ، كان الدليل عليه نقليا من القرآن الكريم أو السنة النبوية المتواترة.

الإخوة الكرام:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى,  فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

معالم الإيمان المستنير

العقل المستنير يهدي للإيمان بالله

المعلم الثاني

أيها المسلمون :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد :

لفت الله تعالى نظر الإنسان إلى السماوات والأرض، وإلى نفسه الإنسانية، ليتفكر فيها ويصل للإيمان بالله تعالى. قال تعالى:[ وسخر‌ لكم ما في السماوات وما في الأر‌ض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكر‌ون ]. (الجاثية 13) وقال تعالى: [ وفي الأر‌ض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصر‌ون ]. (الذاريات20-21)

وما قول الأعرابي في جزيرة العرب عن الاستدلال بوجود الخالق سبحانه إلا بعد نظر وتفكير في ملكوت الله. سئل أعرابي عن وجود الله، وكيف نستدل عليه؟ فقال بتفكيره المستنير: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج, ألا تدل على الحكيم الخبير؟! فما أحسنه من استدلال! وما أعجبه من منطق وبيان!

ويكفي العقول أن تستدل على وجود الله بآثاره من نظام وإتقان وإحكام في هذا العالم. وتستدل على أنه واحد أحد لا شريك له. ولا يطلب من العقل أن يدرك ذات الله؛ لأن ذلك مما لا يقع تحت حس الإنسان. ومن مأثور كلام أهل العلم في ذلك قولهم: ” كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وعجزك عن إدراك الإدراك إدراك، والبحث في كنه ذات الله إشراك “. ويقول الله تعالى: [ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير‌ ]. (الشورى 11)

ومن البدهيات عند الإنسان أن لكل موجود موجد، ولكل مصنوع صانع. فمثلا الكرسي الذي نجلس عليه مصنوع. من الذي صنعه؟ لا شك في أن النجار هوالذي صنعه. والكون وما فيه مصنوع، أي مخلوق. فمن الذي صنعه أو خلقه؟ لا شك في أن الله تعالى هو الذي خلقه. إذن لكل مخلوق خالق خلقه وهو الله تعالى. هذا برهان عقلي على وجود الله الخالق سبحانه وتعالى.

وإدراك العقل لوجود الله جاء نتيجة إدراكه للآثار المحسوسة الدالة على وجوده، وهذه الآثار هي الكون والإنسان والحياة، وهذه أشياء تقع تحت الحس، فيستطيع العقل البشري أن يدركها، لهذا كان إدراك وجود الله في حدود العقل. كمن يسمع صوت طائرة وهو جالس في البيت فيدرك من سماعه لصوتها أنها موجودة في السماء، ولكنه لا يدرك ذاتها؛ لأن جسم الطائرة لم يقع تحت لمسه وبصره. إذن لا يقال هنا : كيف آمن الإنسان بالله عقلا مع أن عقله عاجز عن إدراك ذات الله؟ والجواب: لأن الإيمان إنما هو إيمان بوجود الله، ووجوده مدرك من وجود مخلوقاته، وهي الكون والإنسان والحياة. وهذه المخلوقات داخلة في حدود ما يدركه العقل، فأدركها وأدرك من إدراكه إياها وجود خالق لها، وهو الله تعالى. ولذلك كان الإيمان بوجود الله عقليا وفي حدود العقل، بخلاف إدراك ذات الله فإنه مستحيل؛ لأن ذاته وراء الكون والإنسان والحياة أي وراء العقل. والعقل لا يمكن أن يدرك حقيقة ما وراءه لقصوره عن هذا الإدراك.

وكل ذي عقل سليم يستطيع أن يستدل على وجود الله بعقله إذا تفكر في الكون والإنسان والحياة. فهذا مثلا “قس بن ساعدة الإيادي” في الجزيرة العربية من كبار خطباء الجاهلية قبل الإسلام ومن قبيلة إياد. كان يركب ناقته، ويسير إلى سوق عكاظ فيخاطب الناس بكلمات يدعوهم فيها للتفكر والتأمل: ” أيها الناس اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا, إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، أفلا يدل ذلك على الله الواحد القدير؟! “. ومعنى نجوم تزهر: أي تتلألأ. وبحار تزخر: أي ملآنة. وليل داج: أي مظلم. ونهار ساج: أي ذاهب وآت رويدا. ويقول: إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا. ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا. يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ ألم يكونوا أكثر منكم مالا؟ وأطول آجالا؟ طحنهم الدهر بكلكله، ومزقهم بتطاوله, ومعنى بكلكله: أي بصدره. فتلك عظامهم بالية, وبيوتهم خاوية, عمرتها الذئاب العاوية, كلا بل هو الله الواحد المعبود, ليس له والد ولا مولود .ثم أنشأ يقول :

في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر       ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي ولا من الباقين غابر            أيقنت أني لا محالة حيث صار القوم صائر

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

معالم الإيمان المستنير

ح1

الكون لم يخلق صدفة

أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد

أيها المؤمنون:

الكون لم يخلق صدفة. وإليكم هذه المناظرة بين أبي حنيفة رحمه الله وعدد من الملحدين: ظهر في بغداد زمن دولة الخلافة العباسية من يروج لفكرة أن الكون خلق صدفة، وذلك بعد ترجمة الفلسفة الإغريقية الوثنية. وصعب إقناع الملحدين بأن الله هو من خلق الكون. والناس في حيرة من هذا الأمر.

فطلب إلى شيخ بغداد وعالمها الجليل الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله أن يتصدى لهم. فقبل، وحدد يوم الجمعة وقتا للمناظرة بين صلاتي المغرب والعشاء. وحدد ضفة نهر دجلة مكانا لها. وجعل عنوانها ” هل الكون خلقه الله أم وجد صدفة وحده”؟

حضر المناظرة جمع غفير ليشهدوا ما يجري فيها. وقضيت صلاة المغرب والناس ينتظرون الإمام أبا حنيفة إلا أنه لم يأت، ثم دخل وقت صلاة العشاء وصلى الناس ولم يأت أبو حنيفة. فأصاب الناس الذعر والاستغراب بسبب تأخره. وأخذ الملحدون يقولون: إن صاحبكم اقتنع أنه خاسر؛ فلذلك لن يأتي.

وبينما الناس في حيرة مما يجري، فإذا بالإمام أبي حنيفة يصل. فسأله الناس عن سبب تأخره؟ فقال: أنتم تعرفون أننا تواعدنا على ضفة نهر دجلة، وأنا كنت على الضفة الأخرى، ولم أستطع القدوم في موعدنا لأنني لم أجد قاربا أعبر به النهر. فقالوا له: فكيف أتيت إذا؟ فقال: بينما كنت جالسا على ضفة النهر أنتظر والوقت يمر، فإذ بي أرى أمرا عجيبا غريبا، إذ رأيت منشارا يخرج من الماء ويتجه إلى الأشجار فينشرها ويصنع منها ألواحا. والمسامير تخرج من باطن الأرض وتثبت الألواح معا. والمطرقة تأتي من التراب فتدق المسامير فصار القارب جاهزا فأتيت به. وهذا هو سبب تأخري.

فاستغرب الناس من هذا الجواب! وأخذ الملحدون يضحكون ويستهزئون بأبي حنيفة ويقولون له: أفيعقل أن يصنع القارب وحده هكذا صدفة، لا بد أنك مجنون يا أبا حنيفة! لا بد أن القارب الذي جئت به قد صنعه أحد ما.

هنا وقف الإمام قائلا: لقد أفحمتكم وغلبتكم! أيها القوم: أنتم لا تصدقون أن الله هو من خلق الكون، وتقولون: إن الكون تكون وحده وخلق صدفة. ولكنكم لا تصدقون أن هذا القارب البسيط قد صنع وحده دون أن يصنعه أحد. أفيعقل ما تزعمون: أن هذا الكون لم يخلقه أحد! أما هذا القارب فلا بد أن يصنعه أحد! وهكذا أخزى الله الملحدين، وانقلبوا صاغرين.

الإمام الشافعي يقدم الدليل على وجود الله:

جاء سبعة عشر رجلا من الزنادقة إلى الإمام الشافعي رحمه الله لا يؤمنون بوحدانية الله ولا باليوم الآخر، ويرون أن الطبيعة خلقت نفسها، وسألوه: ما الدليل على وجود الله؟ فقال: ورقة التوت طعمها واحد، تأكلها الدودة فيخرج منها الحرير، ويأكلها النحل فيخرج منه العسل، ويأكلها الغزال فيخرج منه المسك، فمن جعل هذه الأشياء مع أن الطعم واحد؟ فاستحسنوا كلام الإمام وأسلموا. على يديه.

ومن الأدلة أيضا: أن البيضة حصن حصين، وبناء رصين، لا منفذ فيها ولا مخرج, ولا هواء ولا ماء, تفقس فيخرج منها حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن، وهيئة جميلة، وصوت مليح، فاسأل من خلق، ومن برأ، ومن أنشأ، ومن صور، إنه الخلاق العليم. والزهرة ذات الألوان؛ الأبيض الفاتح، والأحمر الغامق، والأسود الفاحم، والأخضر الممتع، تهل بالندى، وتفوح بالشذى، وتميس مع الهوى، آية من آيات من على العرش استوى. وفي هذا يقول الشاعر العباسي أبو علي الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس شاعر الخمر:

تــأمل في نبـــــــــات الأرض وانظر إلى آثــــــــــــــــــــــار مـــــــــــــا صنـــــــع المليــك
عيون من لجـــــــــيـــن شاخصـــــــــات بأغصــان هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات بـأن الله ليــــس لـــــــــــــــه شريــــــــــــــــــك

 أيها الكرام:

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه, نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

معالم الإيمان المستنير

ح2

الكون لم يخلق صدفة

 أيها المسلمون:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

أيها المؤمنون:

إليكم هذا “الرد على القائلين بأن الكون قد تكون بطريق المصادفة دون سابق تفكير أو تدبير” إن المصادفة تكون أحيانا ممكنة, وتكون أحيانا في حكم المستحيلة عقلا, وسنضرب أمثلة نبين فيها حالة الإمكان, وحالة الاستحالة: لو أخبرك مخبر أنه شاهد ثلاثة رجال اجتمعوا بباب مسجد بطريق المصادفة ومن غير سابق هدف وتفكير , فإنك لا تستغرب هذا الخبر ؛ لأن المصادفة ممكنة. أما لو أخبرك مخبر أنه شاهد مائة رجل اجتمعوا بباب المسجد بطريق المصادفة ومن غير هدف وتفكير سابقين, لاستغربت الخبر, ولكان حظه من التصديق أقل من حظ الخبر الأول, لماذا يا ترى؟ لأن حظ المصادفة من التصديق يزداد وينقص بنسبة معكوسة مع عدد الإمكانات المتكافئة المتزاحمة. أي كلما كان عدد الإمكانات أقل كان التصديق أكثر, فإذا زاد العدد قل التصديق, حتى إذا بلغ العدد رقما كبيرا انعدم التصديق, كما لو أخبرك مخبر أنه شاهد عشرة آلاف رجل تجمعوا في مسجد كبير, أو ميدان كبير كميدان التحرير في القاهرة مثلا, وانتظموا في صفوف متوازية يقومون بحركات متشابهة, يركعون جميعا, ويرفعون ويسجدون جميعا, ويجلسون ويتلفظون بكلمات واحدة, ويقومون بأعمال منسقة, وبعد أن فرغوا من أداء الصلاة أخذوا جميعا يهتفون بإسقاط النظام, كل ذلك يعملونه بطريق المصادفة, ومن غير سابق هدف أو تفكير, أيصدق عقلك؟ الجواب بالقطع لا؛ لأن المصادفة في تلك الحالة تستحيل عقلا! وكيف لو قال عالم من علماء الفلك: إن مئات الملايين من الكواكب والنجوم وجدت في هذا الكون لتسير حسب نظام دقيق, وأبعاد متناسبة, وحركات منسقة, وسرعة معينة, ومنازل مقدرة متناسبة, تسير في المجموعة الشمسية متدرجة متضاعفة, فلو قال قائل: إنها وجدت بطريق المصادفة, ومن غير سابق تفكير أو تدبير لنظر إليه بازدراء واحتقار! هل دوران الأرض حول الشمس في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وربع اليوم مرة واحدة, ودورانها حول محورها في كل أربع وعشرين ساعة مرة محدثة الليل والنهار, والسنين والأيام, وهل دورانها حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة, ودورانها حول الشمس بسرعة خمسة وستين ألف ميل في الساعة, ودورانها بحيث لو كانت سرعتها مائة ميل في الساعة لكان طول النهار مائة وعشرين ساعة, وهل خطها على مدارها بشكل مائل بمقدار ثلاث وعشرين درجة بحيث لو زاد درجة أو نقص درجة لاختل نظام الفصول الأربعة على ظهرها, وهل وجودها بشكل كروي محدثا تعاقب الفصول الأربعة, بحيث لو لم تكن كروية لكانت إما نهارا سرمدا, وإما ليلا سرمدا, فهل كل هذه النسب المحددة والأوضاع المنسقة حصلت بطريق المصادفة, ومن غير أن تسبق بتفكير أو تدبير؟ إنك لو نظرت إلى آلة هندسية كالفرجار مثلا, لرأيت أحد الرأسين مدببا, والآخر فيه مقبض حديدي قابل أن يوضع فيه قلم أو قطعة طباشير, فتدرك سبب اختلاف الرأسين, وأن وجودهما على ذلك الوضع لم يكن عبثا, ولا بطريق المصادفة, بل لمصلحة توخاها صانع الفرجار, وبحيث لو كان رأساه على غير ما هما عليه لما أديا تلك المصلحة, فيكون واضعها قد فكر فيهما قبل وضعهما, لذلك وضع تصميما بحيث يؤديان ما يريد واضعهما.

ولو نظر امرؤ إلى قطع ساعة يدوية, كيف أنها في وضعها وترتيبها تعطي نظاما للساعات والدقائق والثواني, بحيث لو نزعت قطعة من مكانها, أو وضعت قطعة في مكان غير مكانها, لتعطل العمل ولاختل النظام, فيدرك من ذلك أن وضع كل آلة أو قطعة في مكانها المعين لم يكن عبثا, ولا مصادفة, وإنما لغاية أرادها لها واضعها, فيكون وضعها في أماكنها قد حصل بتفكير وتدبير معين لتؤدي النظام الذي فرضه عليها مهندسها, لأن النظام مفروض عليها من قبله, لذلك رتب آلاتها أو قطعها على وضع معين لتعطي ذلك النظام, فالنظام لا يمكن أن يحصل بمجرد وجود الأشياء متقاربة أو متباعدة لا يوجد نظاما, فقطع الساعة لو وضعت مجتمعة أو متناثرة لا يحصل من مجرد وضعها نظام, ولكن وضعها بشكل معين هو الذي يحدث فيها النظام, وإذا فالوضع المعين مفروض عليها فرضا فمن الذي فرض عليها ذلك الوضع؟ إنه المهندس الذي صمم تلك القطع, وحدد أماكنها؛ ليحصل من وضعها المعين النظام الذي يريده, ومن هنا يتبين أن نظام الساعة ليس جزءا منها, وإلا لوجد النظام من مجرد وجود قطعها مجتمعة أو متناثرة, وليس نظام الساعة خاصية من خواصها, إذ لو كان الأمر كذلك لأحدثت لنفسها نظاما يتفق مع كل وضع من أوضاعها. ولله المثل الأعلى, فما ينطبق على قطع الساعة ينطبق على أجزاء الكون من كواكب ونجوم ومجرات, كلها تسير بنظام دقيق. وهذا النظام لم يحصل بمجرد اجتماعها, وهو ليس جزءا منها, وليس خاصية من خواصها, ولا هي أحدثته لنفسها, وإنما فرض عليها من قبل خالقها الذي خلقها. وعليه فإن الكون لم يتكون بطريق المصادفة دون سابق تفكير أو تدبير. بل له خالق خلقه وهو الله سبحانه وتعالى.

المعلم الرابع

إثبات وجود الخالق

أيها المؤمنون:
إن إثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى له طريقتان:
الأولى: طريقة سهلة ميسـرة, يفهمها كل إنسان, وهي الطريقة التي دعا القرآن إلى استخدامها, يهتدي بها كل من تفكر في مخلوقات الله, كطريقة الأعرابي الذي قال: “البعرة تدل على البعير, والأثر يدل على المسير, فسماء ذات أبراج, وأرض ذات فجاح, وبحار ذات أمواج, ألا تدل على الواحد القدير؟
والثانية: طريقة يحتاج فهمها إلى تركيز وإعمال عقل , تعرض فيها الأدلة والبراهين بشيء من التفصيل, يحتاجها كل من لم يقتنع بالطريقة السهلة الميسرة.

أولا: إثبات وجود الخالق بالطريقة السهلة الميسرة:
إن وجود الخالق حقيقة ملموسة, والبرهان عليه في منتهى البساطة, فإن الإنسان يحيا في الكون فهو يشاهد في نفسه وفي الحياة التي يحياها الأحياء, وفي كل شيء في الكون تغيرا وانتقالا من حال إلى أحوال, ويشاهد وجود أشياء وانعدام أشياء, ويشاهد دقة وانتظاما في كل ما يرى ويلمس, فيصل إلى أن هناك موجدا لهذا الوجود المدرك المحسوس, وهذا أمر قطعي وطبيعي جدا, فإن الإنسان يسمع دويا فيظن أنه دوي طائرة, أو سيارة, أو مطحنة, أو أي شيء آخر, ولكن يوقن أنه دوي ناتج عن شيء, فيوقن بوجود شيء ما خرج منه هذا الدوي, فكان وجود الشـيء الذي ينتج عنه الدوي أمرا قطعيا عند من سمعه, فقد قام البرهان الحسـي على وجوده, وهو برهان في منتهى البساطة, فيكون الاعتقاد بوجود شيء ينتج عنه الدوي اعتقادا جازما قام البرهان القطعي عليه, ويكون هذا الاعتقاد أمرا طبيعيا ما دام البرهان الحسـي قد قام عليه, وكذلك فإن الإنسان يشاهد التغير في الأشياء, ويشاهد انعدام بعضها, ووجود غيرها, ويشاهد الدقة والتنظيم فيها, ويشاهد أن كل ذلك ليس منها, وأنها عاجزة عن إيجاده, وعاجزة عن دفعه, فيوقن أن هذا كله صادر عن غير هذه الأشياء, ويوقن بوجود خالق خلق هذه الأشياء, وهو الذي يغيرها, ويعدمها, وينظمها, فكان وجود هذا الخالق الذي دل عليه وجود الأشياء وتغيرها وتنظيمها أمرا قطعيا عند من شاهد تغيرها ووجودها وانعدامها ودقة تنظيمها, فقد قام البرهان الحسي بالحس المباشر على وجوده, وهو برهان في منتهى البساطة. يقول الشاعر العباسي أبو العتاهية:

فيا عجبا كيف يعــــــصى الإله                                         أم كيـــــــــــــــــــف يجحــــــده الجاحد
وفي كـــــــل شـــــيء لــــــــــــــــه  آيـــــــــــــــــــــة تـــــــــــــــــــدل على أنـــــــــــــــــه الواحــــــــــد
ولله في كـل تحريكة وتسكينة                      فـــــــــــــــــــــي الـــــــــــــــــــــــــورى شاهــــــــــــــــد

فيكون الاعتقاد بوجود خالق لهذه الأشياء المخلوقة, والتي تنعدم وتتغير, ولا تملك إيجاد ذلك لها ولا دفعه عنها, اعتقادا جازما قام البرهان القطعي عليه. ولذلك كان من الطبيعي جدا أن من يشاهد الأشياء المدركة المحسوسة, وما يحصل لها وفيها مما لا يستطيع إيجاده لها, ولا دفعه عنها, أن يصل من هذا عن طريق الإدراك الحسي إلى أن هناك موجدا لهذا الوجود المدرك المحسوس, وهذا أمر عام يشمل جميع البشـر, ولا يستثنى منهم أحد مطلقا؛ ولذلك كان الإقرار بوجود الخالق عاما عند جميع بني الإنسان في جميع العصور, والخلاف بينهم إنما كان في تعدد الآلهة أو توحيدها, ولكنهم مجمعون على وجود الخالق, لأن أدنى إعمال للعقل فيما يحسه من الموجودات يري أنها مخلوق لخالق؛ لهذا كان البرهان بسيطا في منتهى البساطة, لأنه لا يعدو لفت النظر إلى ما يقع تحت الحس من الموجودات, فإن مجرد النظر فيها مما لا تستطيع إيجاده لنفسها ولا دفعه عنها يوصل إلى أنها مخلوقة لخالق, وإلى أن هناك خالقا خلقها؛ ولذلك جاءت أكثر براهين القرآن الكريم لافتة النظر إلى ما يقع عليه حس الإنسان للاستدلال بذلك على وجود الخالق, فهذه براهين قاطعة على وجود الخالق, فلينظر الإنسان إلى كيفية خلق الإبل, ورفع السماء, ونصب الجبال, ليدرك وجود الله لا إله إلا هو؛ ولذلك فإن “تيتوف” رائد الفضاء الروسي حين قام برحلته الفضائية حول الأرض قال: “إنه رأى الأرض معلقة في الفضاء لا يمسكها شيء أبدا لا من فوقها ولا من تحتها ولا عن جوانبها, فهي معلقة بنفسها هكذا في الفضاء دون أن يمسكها شيء, وإنه تذكر ما تقوله الديانات”. وصدق الله العظيم حيث قال: ]إن اللـه يمسك السماوات والأر‌ض أن تزولا ? ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ? إنه كان حليما غفور‌ا[. (فاطر41)

معالم الإيمان المستنير

إثبات وجود الخالق

م4 -ح2

أيها المؤمنون:

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد عنده قول الأعرابي هذا:

وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم تحيتـــــــــك الحسنى فقــــــــد يرقــــــع النعل

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا”. أدعوكم لتأمل المعاني الجميلة الرائعة في هذه القصيدة التي نظمها الشاعر العراقي معروف الرصافي تحت عنوان: “انظر لتلك الشجرة” سأكتفي بقراءتها على مسامعكم؛ لأنها واضحة تمام الوضوح:

انظـــــــــــر لتــــــلك الشجـــــــــرة ذات الغصـــــون النضــــــرة
كيـــــــــــف نمــــــت مــــن حبــــــة وكيف صــــارت شجـــــــرة
فانظر وقل مـــــن ذا الذي يخـــــــــــــــرج منهـــــــــــــا الثمـــــــــرة
ذاك هـــــــــــــــــــو الله الــــــــــــــــذي أنعمـــــــــــــــــــــــــــــه منهمـــــــــــــــــــــــــــرة
ذو حكمــــــــــــــــــــــــة بالغــــــــــــــــــــــة وقـــــــــــــــــــــــــــــــــــدرة مقتـــــــــــــــــــدرة
انظـــــــر إلى الشمـــــس التـــي جذوتهـــــــــــــــــــــــــــا مستعـــــــــــــــــرة
فيهــــــــــــــا ضيـــــــــــــاء وبهــــــــــــــــــــــــا حـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرارة منتشــــــــــرة
مــــــن ذا الــــــــــذي أوجــــــــدها في الجــــــــــــــــــو مثــــل الشــررة
ذاك هــــــــــــــــــــو الله الــــــــــــــذي أنعمـــــــــــــــــــــــــــــــــه منهمــــــــــــــــــــــــرة
ذو حكمــــــــــــــــــــــــــة بالغــــــــــــــــــــــة وقـــــــــــــــــــــــــــــــــدرة مقتــــــــــــــــــــدرة
انظــــــــــــــــــــــــــر إلــــــــــــى الليــــــــــــــــــل فمـــــــــــــــــــــن أوجد فيه قمره
وزانـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه بأنجـــــــــــــــــــــــــــــم كالــــــــــــــــــــــــــــــــدر المنتــثــــــــــــــــــــــــــرة
ذاك هــــــــــــــــــــــــو الله الــــــــــــذي أنعمـــــــــــــــــــــــــــه منهمــــــــــــــــــــــــــــــرة
ذو حكمـــــــــــــــــــــــــــــــــة بالغـــــــــــــــة وقـــــــــــــــــــــــــــــــــــدرة مقتـــــــــــــــــــــدرة
انظــــــــــــــر إلى المــــــــــــرء وقــــــل مـــــن شــــــــــــــق فيـــــــــــه بصــــره
مـــن ذا الـــــــــــــــــــذي جهـــــــــــزه بقـــــــــــــــــــــــــــدرة مبتكـــــــــــــــــــــــــــــــرة
ذاك هـــــــــــــــــــو الله الـــــــــــــــــذي أنعمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه منهمــــــــــــــــــــرة
ذو حكمــــــــــــــــــــــــــــــة بالغــــــــــــــــــة وقـــــــــــــــــــــــــــــدرة مقتــــــــــــــــــــــــــدرة

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة, موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى, فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم, نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه,  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 07 من رمــضان 1433
الموافق 2012/07/26م

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s