هل حدد الرسول ﷺ طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية؟ ح25

هل حدد الرسول ﷺ  طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية؟ ح25

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

(الحلقة الخامسة والعشرون- هل كان الرسول يسعى لإقامة دولة؟)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنـا

فهل كان الرسول ﷺ  يسعى لإقامة دولة؟

نعم، وبكل بساطة، ومن خلال تتبع أعمال الرسول ﷺ في المرحلة المكية؛ يمكننا الاستدلال على ذلك.

أولا: في مرحلة ما قبل طلب النصرة:

ويمكن الحديث عن صُعُدٍ ثلاثة: صعيد أحاديث البشارات، وصعيد طبيعة الأفكار والأحداث (أفكار تقوض نظاما ورموزه لتحل محله في سياسة المجتمع) وصعيد طبيعة الإسلام، نفسه، فالدين شريعة وسلطان كما يفهمه أرباب اللغة[1]،فهو نزل من أول يوم ليحكم ويقيم ميزان القسط بين الناس، فما كانت هذه طبيعته، فلا بد أن يكون النظام الذي يطبقه في صميمه.

الصعيد الأول: لما اشتد الأذى بأصحاب رسول الله ﷺ، قال خباب بن الأرَتّ ـ رضي الله عنه: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رواه البخاري. وهذا الحديث يدل على دولة الإسلام بدلالة الاقتضاء[2]، فالأمن لا يمكن أن يتحقق في بقاع شاسعة كتلك التي وصفها الحديث من غير دولة، وبسط سلطانها عليها.

قال الدكتور محمد المسعري: وكان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يطلبها – أي المنعة اللازمة لإقامة الدولة، ومباشرة الجهاد والقتال، والتأثير في الموقف الدولي، بما يلزم لنشر الدعوة- بعد أن جهر بالدعوة، بعد العام الثالث من البعثة،عندما بدأ بعرض الإسلام على القبائل في المواسم، كما تدل على ذلك بعض الروايات. ولكن المؤكد يقيناً أنه كان يطلب«النصرة»ممن عنده«المنعة»،مثل ثقيف وغيرها من القبائل المرهوبة الجانب، ابتداءً من السنة العاشرة للبعثة على أبعد تقدير، كما تواترت بذلك روايات السيرة، والسنن، على حد سواء.[3]

الصعيد الثاني: نزلت السور المكية وفيها مادة زخمة تشكل المفاهيم الإسلامية اللازمة لتشكيل القناعات والمقاييس الإسلامية، وهذا أساس إقامة المجتمع والدولة على مفاهيم الإسلام، وحوت مادة زخمة للصراع الفكري، والكفاح السياسي، لتحل محل المفاهيم والقناعات التي كانت تسود مكة، وتهز مكانة زعمائها، فمن الأفكار التي نزلت في سورة الأنعام على سبيل المثال (وهي مكية): مهاجمة الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل الأولاد بسبب الفقر، واقتراف الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، وأكل مال اليتيم، والنقص في الوزن والكيل، وشهادة الزور، وخيانة العهد، واتباع السبل التي تبعدنا عن شريعة الله[4]، وقد لخص جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ذلك الصراع بين قيم الإسلام التي يراد لها أن تسود المجتمع وبين قيم الجاهلية للنجاشي في الحبشة، وما تبعه من صراع واضطهاد لمنع إحلال تلك القيم الإسلامية محل تلك الجاهلية: “وَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ  جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْنَا نَبِيًّا وَرَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإسلام، فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، وَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ[5].

فهنا من الواضح طبيعة صراع الأفكار، فالكفار يريدون إخضاع المسلمين للقيم الجاهلية، ويرون في قيم الإسلام تهديدا مباشرا لقيمهم يراد لها أن تحل محلها.

تأمل يا رعاك الله،كم هي دقة الفهم لدى الصحابة الكرام، فذاك جعفر رضي الله عنه في الفترة المكية، يحدد طبيعة الدعوة الاسلامية، السمة الغالبة الطاغية على طبيعة هذه الدعوة: تغيير واقع المجتمع الجاهلي إلى مجتمع بقيم إسلامية،

فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، إذن المجتمع جاهلي، ما هي علامات الجاهلية في المجتمع؟

نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك النظام المتحكم في المجتمع الجاهلي، هذا عرفه العام، هذه هي العلاقات التي تحكم المجتمع، وهي العلاقات التي جاء الإسلام ليضربها في المجتمع من أجل تغييره،بأي شيء تتغير هذه القيم؟

فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – قالت فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا،بالتوحيد، وبالأوامر والنواهي التي كلها تتحول إلى علاقات جديدة يقوم عليها المجتمع تحل محل العلاقات القديمة وتضربها في الصميم.لم تقتصر دعوة الاسلام في الفترة المكية إذن على العقيدة بالشكل الذي يفهمه المروجون لتغيير المجتمعات بأفهام معينة للعقيدة، بل ها أنت ترى بأم العين أن المسألة كما بينها جعفر اللهم ارض عنه وأرضه وألحقنا به يا رب العالمين، عقيدة وعلاقات في المجتمع تتغير بتغيير المقاييس، بحيث تصبح المقاييس الجديدة: الأوامر والنواهي.

ثم إن طبيعة الدعوة لم تكن دعوة فردية أيضا، فهي صراع بين الكفر وبين الإسلام في المجتمع، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك![6]

الصعيد الثالث: قال الدكتور محمد أمحزون: وعلى ذلك فإن هذا يعني: الإذعان للإسلام، والخضوع له في التصور والفكر والسلوك، في جميع نواحي الحياة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].ولا شك أن العرب وهم أدرى وأعلم بلغتهم يدركون بداهة أنّ (لا إله إلا الله) تعني طاعة الله وعبادته وحده لا شريك له. ومعنى ذلك: نزع السلطان الذي يزاوله الأمراء والحكام وزعماء القبائل بمقتضى أهوائهم ومصالحهم، ورده كلّه إلى الله عز وجل: ﴿إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ﴾ [يوسف: 40].

يقول صاحب الظلال رحمه الله في تفسير هذه الآية: (ولا نفهم هذا التعليل كما كان يفهمه الرجل العربي إلا حين ندرك معنى العبادة التي يخص بها الله وحده. إن معنى: عَبَدَ في اللغة: دان وخضع[7]. ولم يكن معناه في الاصطلاح الإسلامي في أول الأمرأداء الشعائر، إنما كان هو معناه اللغوي نفسه. فعندما نزل هذا النص أول مرة (في المرحلة المكية) لم يكن شيء من الشعائر قد فرض حتى ينطلق اللفظ إليه. إنما المقصود هو معناه اللغوي الذي صار هو معناه الاصطلاحي. كان المقصود به هو الدينونة لله وحده والخضوع له وحده، واتباع أمره وحده، سواءً تعلق هذا الأمر بشعيرة تعبدية أو تعلق بتوجيه أخلاقي، أو تعلق بشريعة قانونية.فالدينونة لله وحده في هذا كله هي مدلول العبادة التي خص الله سبحانه بها نفسه ولم يجعلها لأحد من خلقه.وحين نفهم معنى العبادة على هذا النحو، نفهم لماذا جعل يوسف عليه سلام الله اختصاص الله بالعبادة تعليلاً لاختصاصه بالحكم؛ فالعبادة أي الدينونة لا تقوم إذا كان الحكم لغيره، وسواء في هذا حكمه القدري القهري في حياة الناس وفي نظام الوجود، وحكمه الشرعي الإرادي في حياة الناس خاصة)[8].

وبهذا المعنى كان العرب يدركون أن (لا إله إلاالله) رفض للسلطان الوضعي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية وهي العبادة والطاعة، وخروج على كل من يحكم بشريعة أو قوانين لم يأذن بها الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاًذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].ولذلك لم يكن يغيب عن المشركين وهم يعرفون المدلول الحقيقي لدعوة لا إله إلا الله ماذا تعني هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعهم ومصالحهم وسلطانهم.وإلى ذلك نبّه (ورقة بن نوفل) بعد سماعه خبر نزول الوحي لأول مرة فقال:

 (ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك؛ فيسأله النبيﷺ في استغراب: «أوَ مخرجيّ هم»؟! فيقول ورقة: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي[9])[10]

[1] جاء في لسان العرب من معاني الدين: والدين تعني الشريعة والسلطان ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾، إ.هـ.

[2]دلالة الاقتضاء: “دلالة اللفظ على أمر لا يستقيم المعنى إلا بتقديره، وهذا التقدير اللازم قد يكون الشرع يقتضيه؛ وقد يكون العقل يقتضيه؛ إما لضرورة صدق المتكلم، وإما لصحة وقوع اللفظ به؛ مثال قوله تعالى ﴿حُرِّمت عليكم أُمهاتكم وبناتكم﴾ النساء 23، فالتحريم لا ينصب على ذات الأم، أو ذات البنت، لذلك اقتضى هذا اللفظ الموجود في الآية أن يقدر قبل لفظ أمهاتكم لفظ لازم يقتضيه الشرع وهو تحريم نكاح الأمهات والبنات والأخوات… فدلالة الاقتضاء ليست دلالة اللفظ بصيغته ولا بمعناه، ولكن بأمر زائد اقتضى تقديره في الكلام لضرورة استقامة الكلام شرعا”. انظر: محمد حسين عبد الله، الواضح في أصول الفقه، دار البيارق، عمان، ط 2، 1416هـ = 1995، ص 300.

[3]المنعة؛ وطلب النصرة، محمد المسعري.

[4]نظرات داعية في السور المكية، حافظ صالح

[5]هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ( ابن قيم الجوزية).

[6]ذكر بعض الرواة أن هذا الحدث حصل بعد غزوة بدر، وحاول بعضهم الجمع بين الرأيين بالقول أن مكة أرسلت عمرو بن العاص مرتين، ولكن الذهبي في سير أعلام النبلاء يروي الحادثة عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ، وفي نهايتها تقول: فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده واستوسق له أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو بمكة. قال الذهبي رحمه الله: وقولها حتى قدمنا على رسول الله ﷺ بمكة عنت نفسها وزوجها.

[7]جاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإسْلَـٰمُۗ﴾  وحكى أهلُ اللغةِ: الدَّين المصدر، والدِّين بالكسر الإسم، والدِّينُ السياسةُ، والدَّيَّانُ السايس. قال ذو الإصبع عنه: ولا أنت دياني فتحزوني، والدِّينُ الحالُ. قال النضر بن شميل: سألت أعرابياً عن شيء، فقال: لو لقيتني على دِينٍ غيرِ هذا لأخبرتُكَ. إ.هـ.، فالعربي إذ يسمي ضبطه لأحواله دينا وسياسة في الوقت نفسه إنما لا يفرق بينهما، ويجعل أي ضبط لأي سلوك سياسة له ودينا في آنٍ، إنما يفهم الطبيعة الصحيحة لمصطلح السياسة.

قال ابن علان الصديقي في دليل الفالحين: وفي «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿إنا لـمدينون﴾ (الصافات: 53) أو معناه لـمسوسون أي مربوبون من الدين بمعنى السياسة ومنه حديث «الكيِّس من دان نفسه» إ.هـ. قال بعض المفسرين أن معناها حاسب نفسه، إلا أن المعنى الأدق يتعدى إلى سياسة نفسه كي لا يقع في ما يحاسب عليه، ألا ترى أنه ﷺ فسره بما بعده بقوله: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والفاجر من يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله عز وجل»، فالفاجر يتبع نفسه هواها، والكيس يسوس نفسه وفق أحكام الله ويمنعها هواها.

قال الأزهري في تهذيب اللغة: قال أبو عبيد: قوله: دَانَ نَفْسَه أي أَذَلَّها واستعبدها،… والدِّين لِلَّهِ من هذا إنما هو طاعتُه والتَّعَبُّدُ له. وقد قيل في قوله: الكَيِّسُ من دَان نَفْسَه أي حاسَبها. إ.هـ.

جاء في لسان العرب من معاني الدين: والدين تعني الشريعة والسلطانومنه قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾، إ.هـ. على أنه في الآيات التي تناولت الفتنة والقتال حتى يكون الدين كله لله، كان معنى الدين فيها السياسة أي الحكم وفقا لنظام الحكم الإسلامي، وجعل أعراف الإسلام أعرافا للفرد والمجتمع، ومنكراته منكرات للفرد والمجتمع ليسوس الجميع شئونهم وفق أحكام الإسلام. أنظر: الطبيعة السياسية للإسلام لثائر سلامة، الذي نسأل الله تعالى  أن ييسر لنا أمر طباعته.

[8]سيد قطب: في ظلال القرآن، ج4، ص 1390

[9] البخاري: الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب حدثنا يحيى بن بكير، ج1، ص 3، 4وخصائص المرحلة المكية فى مجال المعرفة، د. محمد أمحزون، ويجدر الاطلاع على كتاب “المصطلحات الأربعة في القرآن” للمرحوم أبي الأعلى المودودي، دار القلم، ط6، 1397هـ = 1977م. ص 116 ـ 130وكتاب”معالم في الطريق” لسيد قطب، فصل “لا إله إلا الله منهج حياة”.

[10]خصائص المرحلة المكية فى مجال المعرفة، د. محمد أمحزون

26 من رمــضان المبارك 1438هـ   الموافق   الأربعاء, 21 حزيران/يونيو 2017مـ

Advertisements

About khelafah

Ras Karkar
This entry was posted in أبحاث ومقالات فكرية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s