هل حدد الرسول ﷺ طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية؟ ح33

هل حدد الرسول ﷺ طريقةً لإقامة الدولة الإسلامية؟ ح33

للكاتب والمفكر ثائر سلامة – أبو مالك

(الحلقة الثالثة الثلاثون – القسم الأول – فما هي الدولة وكيف تنشأ؟)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنـا

فما هي الدولة وكيف تنشأ؟

نظريات نشوء الدولة في الفكر الغربي،[1]

بما أن الموضوع الأساس هو كيفية إقامة أو إنشاء الدولة، فلنا أن نعرض الآراء المختلفة عن نشوء الدول، في الفكر الغربي والماركسي وعند بعض المفكرين المسلمين السابقين.

تقوم نظريات نشوء الدول في الفكر الغربي على أربع نظريات:

أولا: النظريات الثيوقراطية: التي ترد نشأة الدولة ومصدر السلطة فيها إلى الله، (نظرية تأليه الحاكم، ونظرية الحق الإلهي (المسيحية) أي أن الكنيسة لها حق إلهي بالحكم، ونظرية التفويض الإلهي، أي تفويض الله للكنيسة باختيار الحاكم، فالبابا صاحب السلطة العليا يمنح سيف السلطة الزمنية لمن يريد من الأباطرة والملوك وينزعها عنهم)،

وثانيا: النظريات التعاقدية، مثل نظرية العقد الاجتماعي social contract ترجع فيها نشأة الدولة ومصدر السلطة فيها إلى الإرادة العامة للأمة، فالدولة كيان تنفيذي لما رأته الأمة من أنظمة وقوانين، وتعطي الأمةُ السلطانَ للحاكم من خلال التعاقد، وأهمها: نظرية العقد الاجتماعي عند لوك، وروسو، وهوبز، وعيب هذه النظريات أنها خيالية، تفترض افتراضات وهمية منها أن الحالة الطبيعية الأصلية للإنسان أنه عاش منعزلا قبل قيام الدولة، وهو مخالف للواقع، فهذه الحالة لم توجد واقعياً بل هي نموذج ذهني مثالي، ففكرة العقد الاجتماعي تعني التحول من الحالة الطبيعية الافتراضية وصولاً إلى المجتمع حيث يتوافق الجميع على قواعد يتنازل بموجبها الفرد عن حريته المطلقة مقابل الأمن والاستقرار والنظام، أي أنها تمثل خضوع الإرادة الحرة إلى الإرادة العامة، والواقع أنه لا وجود لما يسمى بالحرية المطلقة، فالحرية إذا ما قيدت لم تعد حرية، كما أن الإنسان الراقي لا يُسيِّر سلوكه في الحياة وفق منظومة الحرية المزعومة الخالية من الضوابط والمقاييس، كسلوك البهائم في الغاب، وإنما يسلك وفقا لمنظومة فكرية عقدية تحدد له مفاهيم عن الحياة، ففكرة تخلي الإنسان عن حريته مقابل العقد الاجتماعي فكرة مضللة، فالدول القائمة على مبادئ يظهر أثر هذه المبادئ في سلوك الأفراد وفي قوانين المجتمع المنبثقة عن تلك المبادئ، ولا يمكن لفكرة تحقيق الحرية أن تكون أساسا للدولة، علاوة على أن فكرة الحرية غير منضبطة، أشبه ما تكون بشرعة الغاب، وقد يرى البعض في ارتكاب الموبقات والمخدرات حرية ويراها الآخرون آفة ومرضا، وقد اصطدمت الدول الغربية الحديثة بهذه الثنائيات الحرية – الأمن، الخصوصية – الأمن، فأخذت تشرع قوانين تزيد من سلطة الدولة في مراقبة الأفراد والحد من حرياتهم وخصوصياتهم، مظنة إفسادهم في المجتمعات وتعديهم على الأمن العام والصالح العام، واحتج الناس على الدولة بأنها تتجسس عليهم وهكذا.

الفرق بين نظرية العقد الاجتماعي وبين تعريف المجتمع:

كما أن فكرة العقد الإجتماعي خياليَّة، لا وجود لها في الواقع، فلا المجتمع تعاقد مع نفسه، ولا اجتمع الناس على صعيد واحد وقرروا ماذا يبقون وعن ماذا يتنازلون، لكننا ونحن نقرر ذلك، فإن الفكرة لا تخلو من الصحة، وإن كانت الآلية التي تشرح بها حصول ما يسمى العقد هي الخيالية، إذ أن المجتمع ينشأ جراء وجود مصالح بين الناس تدفعهم لإقامة علاقات بينهم، وتقوم هذه العلاقات وإشباع هذه المصالح على أساس أفكار ومشاعر تجاه تلك العلاقات تكون مقبولة من الفئة الأقوى في المجتمع وجراء تلك الأفكار الجماعية تتنازل فئات المجتمع الأخرى أو الأفراد عن بعض خصائصهم ونظرتهم لتلك العلاقات ليتعايشوا بناء عليها، وهذه العلاقات تقنن بقوانين تنظم تلك العلاقات، وأما الدولة فإنها تنشأ رجعا لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تعتنقها الفئة الأقوى من المجتمع، فهي كيان تنفيذي لتلك المجموعة.

وفي الغالب فإن الفئة المتنفذة في المجتمع – خصوصا في العالم الغربي الخاضع للعلمانية الرأسمالية- تدفع مجموعة من القانونيين والحقوقيين لصياغة القوانين التي تنظم المجتمع وتقوم الجماعة بالتفاعل مع تلك القوانين غالبا بالاستجابة لها والتعايش بناء عليها، وغالبا لا يكون للجماعة دور كبير في صياغتها، ولا حتى الاعتراض عليها، خصوصا ونحن نعلم أن الكيان المجتمعي والدولة كيانان منفعلان لا فاعلان، وأن الكيان الحقيقي الفاعل هو الأحزاب السياسية، وهذه الأحزاب في الغرب غالبا ما تمثل مصالح الطبقة المتنفذة في المجتمع من الرأسماليين، فتصوغ القوانين -غالبا- لخدمة تلك المصالح.

ومن الممكن للأحزاب السياسية أن تغير نظرتها للعلاقات وللمقاييس والقناعات وتطور الدولة أو تغير نظرتها!.

وحتى النظام الانتخابي الديمقراطي فإنه يمثل نسبة صغيرة من رأي المجتمع[2]، سواء في التمثيل البرلماني أو في الانتخابات الرئاسية، ولا يصلح مثالا على التعاقد مع الحاكم على التنفيذ، بالإضافة إلى أن الدساتير والقوانين في الدول الغربية إنما يضعها القانونيون والمتشرعون لا عوام الناس، ولا حتى البرلمانيون! ويقتصر دور البرلمانيين على التصويت واقتراح القوانين.

فالفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز  1588- 1679 يرى أن الإنسان كان شريرا، أدرك مع التطور فائدة الانتقال من الفوضى للمدنية عن طريق العهد الاجتماعي، فاتفق الأفراد على إقامة مجتمع يرعى حقوق الأفراد وينزل فيه كل فرد عن حريته مؤثرا المصلحة العامة، فالدولة تقوم حين يتنازل الناس عن سلطتهم لصاحب السيادة، فتتركز في يده سلطة عظيمة يخافونها ويخضعون لها، وسلطة الدولة عنده مطلقة غير مقيدة، ويقترب منه في النظرة باروخ سبينوزا، 1632- 1677 الذي يرى ضرورة وجود سلطة مجتمع تنظم حياة الأفراد من خلال عقد اجتماعي سماه الديمقراطية، يخضع فيه الفرد لما أقرته الجماعة من أجل المصلحة العامة،

وأما الفيلسوف الإنجليزي جون لوك: 1632-1704 فيرى أن الناس رأوا التنازل عن الحرية المطلقة التي كانوا عليها، لصالح نوع من النظام أساسه التعاون بين الجماعة، ويرى أن الحاكم طرف في العقد، فإذا أخل في شروطه جاز عزله، وكان لوك من أنصار الملكية المقيدة لا المطلقة، ولهذا لا يرى لوك في ذلك العقد مبررا لإقامة سلطان مطلق. بل على العكس يفرض على كل من الحاكم والمحكومين التزامات متبادلة، ويعني أن للحاكم سلطة محددة هي الحماية والأمن والمحافظة على حقوق الأفراد لا في العبودية والاستبداد، وذلك لأنه يرى بأنه توجد حقوق للأفراد سابقة على التعاقد، وهذه الحقوق لا يمكن التنازل عنها، من ثم فلا بد للسلطة أن تتقيد بها حتماً.  ويرى لوك أن ثمة سلطتين في هذا العقد الاجتماعي، سلطة تشريعية تسن القوانين وأخرى تنفيذية تنفذها، ويرى أنه لا بد من فصل السلطتين، ولدى لوك: السلطة العليا هي للشعب، وله أن يخلع السلطة التنفيذية، بخروجها عن القانون المبتغى تنفيذه، وتابعه مونتسكيو  1755- 1789 في فصل السلطات الثلاث[3].

وأما المفكر الفرنسي جان جاك روسو، 1712- 1787 فيرى أن تعدد المصالح الفردية وتعارضها مع ازدياد المنافسة بين الأفراد يفسد المساواة الطبيعية، ولهذا يتعاقد الأفراد على إنشاء مجتمع سياسي يخضع لسلطة عليا، وبذلك توجد دولة تستند إلى العقد الاجتماعي الذي أبرمه الأفراد، ولكي يكون الاتفاق أو العقد الاجتماعي الذي ينقل الأفراد إلى حياة الجماعة صحيحا ومشروعا، لا بد أن يصدر على إجماع الإرادات الحرة والواعية للأفراد المكونين لهذه الجماعة.

أما بالنسبة لأطراف العقد الاجتماعي، فيرى روسو أن الأفراد إنما يبرمون العقد مع أنفسهم على أساس أن لهم صفتين الأولى كونهم أفرادا مستقلين ومنعزلين كل منهم عن الآخر، والثانية كونهم أعضاء متحدين يظهر من مجموعهم الشخص الجماعي المستقل الذي يمثل مجموع الأفراد، ولهذا فإن الحاكم ليس طرفا في العقد، وإنما هو وكيل عن الإرادة العامة، يحكم وفقاً لإرادتها، وليس وفقا لإرادته هو، لذلك فإن للإرادة العامة حق عزله متى أرادت.

أما بالنسبة لمضمون العقد فقد ذهب روسو إلى أن الأفراد قد تنازلوا بمقتضى هذا العقد عن جميع حقوقهم دون تحفظ لصالح المجموع، إلا أن هذا التنازل تقابله استعادة الأفراد حقوقا وحريات جديدة تتفق والمجتمع الجديد، تقررها الإرادة العامة يفترض وجود هذه الحقوق والحريات لأن الدولة ما وجدت إلا لحمايتها. وبذلك يسود العدل، ويتمتع كل فرد بحقوق وحريات متساوية، ويقف كل منهم على قدم المساواة مع الآخر.

وثالثا: النظريات الإجتماعية، ترد نشأة الدولة إلى فكرة القوى الاجتماعية وتطور الأسرة،

ورابعا: النظريات التاريخية، ترد نشأة الدولة لعوامل تتفاعل مع الزمن.

نلحظ من هذه النظريات أن الدولة في الفكر الغربي عقد اجتماعي (قلنا أنه لا وجود له) ينظم حياة الأفراد، ويضمن لهم حماية حقوقهم وسيادة القانون، وفصل السلطات (وهي فكرة خيالية غير مطبقة في الواقع)، وأن سلطة الشعب فوق كل سلطة (وهي تنظير خيالي ينافي الواقع الذي فيه السلطة الحقيقية لأصحاب رأس المال). ونرى أن مقومات الدولة هي الشرعية الدستورية القائمة على العقد المبرم بين الحاكم والشعب، والشرعية السياسية التي تقوم على تفويض السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية للقيام بمهامها، ومقوم أن السلطة العليا للشعب، وأن السيادة للقانون المعبر عن الإرادة الشعبية (وفي الواقع فإن الشعب لم يؤخذ رأيه عند صياغة القانون إلا أقل القليل)، ومقوم محاسبة السلطات عند تجاوز صلاحياتها وما فوضت من أجله، ومقوم ضمان الحقوق للمتعاقدين.

وما يهمنا هو التمييز بين الكيان المجتمعي، والكيان التنفيذي، وأن السلطة إنما تمثل تنفيذا للأفكار التي من المفترض أنها تمثل رغبة الكيان المجتمعي فيما يريد أن يحكم به، والعلاقة بين السلطة والشعب إذ يجب أن يكون الشعب في الوضع الطبيعي هو السند الطبيعي للدولة. فالنظريات وإن لم تصرح بهذا إلا أن الواقع يقول به.

وأما الماركسية فترى أن الدولة تنشأ جراء الصراع الطبقي فالدولة انعكاس للأوضاع الاقتصادية، والدولة أداة للسيطرة والهيمنة على الطبقات المُستَغَلَّةِ تحت قيادة الطبقة الرأسمالية الاحتكارية.

[1] المراجع: نقد المنهج التوفيقي لدراسة نظام الحكم الإسلامي، أ. د. محمد أحمد علي مفتي، وهو بحث يقوم على أساس فكري ومنهجي صحيح، وكتاب: مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي والإسلامي لأحمد بوعشرين الانصاري (وهي دراسة تلفيقية توفيقية مليئة بالأخطاء الفكرية والمنهجية).  التوازن بين السلطة والحرية في الأنظمة الدستورية لجعفر عبد السادة الدراجي. نظرية الدولة وأساس نشأة السلطة السياسية فيها Boubhalim.

[2]يرصد موقع:  http://www.electionresources.org نتائج الانتخابات حول العالم، ونسبة المصوتين، والنسبة التي فاز بها المرشح، وكانت أكبر نسبة مشاركة في انتخاباتٍ هي تلك التي في قبرص، شارك أكثر من 83 بالمائة من الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات، وإليك جدول يبين النسبة التي فاز المرشح نيكوس أناستاسيدس بها بالانتخابات الرئاسية، وهي نسبة الذين زُعم بأنهم أغلبية، لكنها في الواقع تمثل 36.7% من نسبة أصوات الناخبين، فهي قطعا ليست بأغلبية كما يزعم النظام الديمقراطي، وبناء على هذه النسبة فاز المرشح:

الانتخابات التاريخ الناخبون: المصوتون نسبة التصويت الفائز عدد الأصوات نسبة لأصوات المصوتين نسبة لأصوات الناخبين
الانتخابات الرئاسية القبرصية 17 فبراير 2013 545,491 453,534 83.1% Nikos Anastasiadis  200,591  45.5% 36.7%

[3]لا يمكن أن يسير أعمال الدولة ويرعى مصالح الناس ويدير شؤونهم إلا سلطة واحدة فالدولة سلطة واحدة وليست عدة سلطات.

وإن من أكبر الخدع التي يمارسها النظام الديمقراطي: ما يسمى بفصل السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وليس المجال هنا للإسهاب في نقضه، ولكنك ترى أن أغلب الدول الديمقراطية تنتخب ممثلي الشعب (البرلمان) أي السلطة التشريعية، والحزب الفائز بالأغلبية هو من يشكل السلطة التنفيذية (رئيس الدولة أو رئيس الحكومة) فاختلطت السلطتان حتما، وللرئيس دور كبير في تعيين القضاة، وعزلهم، والمحكمة الدستورية تعيد النظر في التشريعات التي تصدر عن السلطة التشريعية (اختلطت السلطتان القضائية بالتشريعية)، والمشرعون في الحقيقة هم قضاة ومحامون، يصوغون مشاريع القوانين وتعرض على البرلمان للتصويت، فالسلطة التشريعية دورها تصويت لا تقنين، ثم إن القضاء حين يبت في القضايا فإنه ينظر في قضايا مشابهة حكم بها قضاة (كما في النظام الكندي، ينظر هل حكم قضاة في محاكم كندية أو انجليزية بقضايا مشابهة؟)، وهكذا فالقانون يسري بناء على ما في المحاكم، إلا أن يسن البرلمان قانونا لا يخالف الدستور، وهكذا تجد السلطات تتداخل ولا يمكن فصلها عمليا، ومع ذلك يزعمون بأن أساس النظام الديمقراطي يقوم على فصل السلطات! أنظر: فصل السلطات بين النظرية والواقع ومخالفتها له.

http://www.hizb-ut-tahrir.info/ar/index.php/radio-broadcast/radioarchive/15672.html

7 من شوال 1438هـ   الموافق   السبت, 01 تموز/يوليو 2017مـ

Advertisements

About khelafah

Ras Karkar
This entry was posted in أبحاث ومقالات فكرية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s